محمد بن جرير الطبري

24

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ذكر خبر جرجيس وكان جرجيس - فيما ذكر - عبدا لله صالحا من أهل فلسطين ، ممن أدرك بقايا من حواريي عيسى بن مريم ، وكان تاجرا يكسب بتجارته ما يستغنى به عن الناس ، ويعود بالفضل على أهل المسكنة وانه تجهز مره إلى ملك بالموصل ، كما حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمه ، عن ابن إسحاق ، عن وهب بن منبه وغيره من أهل العلم : انه كان بالموصل داذانه ، وكان قد ملك الشام كله ، وكان جبارا عاتيا لا يطيقه الا الله تعالى وكان جرجيس رجلا صالحا من أهل فلسطين ، وكان مؤمنا يكتم ايمانه في عصبه معه صالحين ، يستخفون بايمانهم ، وكانوا قد أدركوا بقايا من الحواريين فسمعوا منهم ، وأخذوا عنهم وكان جرجيس كثير المال ، عظيم التجارة ، عظيم الصدقة ، فكان يأتي عليه الزمان يتلف ماله في الصدقة حتى لا يبقى منه شيء ، حتى يصير فقيرا ، ثم يضرب الضربه فيصيب مثل ماله أضعافا مضاعفه ، فكانت هذه حاله في المال وكان انما يرغب في المال ، ويعمره ويكسبه من اجل الصدقة ، لولا ذلك كان الفقر أحب اليه من الغنى . وكان لا يامن ولايه المشركين عليه مخافه ان يؤذوه في دينه ، أو يفتنوه عنه ، فخرج يؤم ملك الموصل ، ومعه مال يريد ان يهديه له ، لئلا يجعل لأحد من تلك الملوك عليه سلطانا دونه ، فجاءه حين جاءه ، وقد برز في مجلس له ، وعنده عظماء قومه وملوكهم ، وقد أوقد نارا ، وقرب أصنافا من أصناف العذاب الذي كان يعذب به من خالفه ، وقد امر بصنم يقال له : افلون فنصب ، فالناس يعرضون عليه ، فمن لم يسجد له القى في تلك النار ، وعذب بأصناف ذلك العذاب فلما رأى جرجيس ما يصنع فظع به